من ينقذ أبناءنا وبناتنا من هذا العبث الإعلامي؟

 

بت أؤمن بأن لكل زمان موضته الخاصة، ليس على نطاق الملابس والقصات والأغاني والديكور والأكل والشرب وهلم جرا، وإنما أيضا على نطاق البرامج والمسلسلات التلفزيونية، التي اقتحمت علينا حياتنا وبشكل مطلق دون (إحم ولا دستور) كما يقولون؛ لكن ذلك ليس هو لب المشكلة، إذ كم من البرامج والمسلسلات التي يمكن أن تكون مسلية، وتحمل في طياتها هدفا بريئا، بغض النظر عن مدى فائدتها وقيمتها الجوهرية بحسب ما يتراءى للبعض، لكنها تظل برامج ملتزمة بالحد الأدنى من القيم الأخلاقية، إن لم تعمل على تعزيزها بشكل أو بآخر، فكم من صور المروءة والقيم النبيلة قد تراءت أمامنا، وكم من صور الخيانة والكذب قد تجسدت أما ناظرينا، لينقل أصحابها عبرها رسائلهم القيمية للمجتمع، كل ذلك قد تجسد في صورة مقبولة، صُنعت لتتواءم مع عادات وتقاليد وأعراف المجتمع العربي المحافظ بصورة عامة، وبذلك فقد حافظ التلفاز العربي على خصيصته الملتزمة، لكونه قد أصبح جزءًا رئيسًا من تكوين جل العوائل العربية من الماء إلى الماء.

ما يدعوني إلى الخوض في ذلك كامن في ما أصبحنا نعيشه هذه الأيام من موضة المسلسلات والأفلام التركية المدبلجة، التي أصبح الكل من أبنائنا وبناتنا شغوف بالنظر إليها، كما كان الحال مع موضة المسلسلات المكسيكية السالفة، التي خفت بريقها منذ زمن، وقل متابعة الإنسان العربي بشقيه لها، لعدة أسباب، لعل أهمها راجع إلى طبيعة نفسية وذهنية الشخص العربي العجولة والمالة أيضا.

لكن الأمر قد يختلف قليلا مع المسلسلين التركيين المعروضين حاليا (سنوات الضياع) و (نور)، حيث تمت دبلجتهما بشكل تقني عالٍ، والأهم باللهجة الشامية الأليفة، كما تحمل شخصيات أبطال كلا المسلسلين مسميات عربية عتيدة، ويتبادل الأبطال والشخوص الكثير من الألفاظ والمعاني الدالة على الشخصية الإسلامية على وجه الخصوص، وهو ما يجعل الفرد العربي ذكورا وإناثا شغوفا بأحداثهما بشكل كبير، ولا إشكال في ذلك حتى هنا، لكن أخطر ما في الموضوع أن محتوى المسلسلين، اللذين يتم عرضهما في ساعة الذروة عند الأطفال (من 4 – 6م)، تحملان كما كبيرا من الأفكار والممارسات الهدامة، ليس على مجتمعنا السعودي المحافظ، بل وعلى مستوى مجتمعنا العربي والإسلامي، بل وحتى الإنساني، والأدهى أن تقدم هذه الأفكار والممارسات في محطاتنا العربية الشهيرة، التي أقل ما يمكن أن نقول عنها بأنها غير مبتذلة، وضمن سياق درامي وحوار يحمل في طياته الكثير من الألفاظ والدلالات الإسلامية كما أسلفت القول، وهو ما يجعل الأمر قريبا في أذهان أبنائنا وبناتنا على وجه الخصوص، وفي ذلك يكمن لب الإشكال.

إن تسويغ فكرة الحمل قبل الزواج، والترويج لإقامة علاقات بينية بين الجنسين قبل الزواج أيضا، عوضا عن الإقرار بفكرة شرب المسكرات ضمن أجواء أسرية تقدم نفسها على أنها أسرة محافظة، وزواج المرأة المسلمة وهي حامل وقبل أن تنتهي عدتها، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تقرها قيم وأخلاق ودين، قبل ذلك وبعده، لهو أمر مرفوض قطعيا، ليس في نطاق المجتمعات العربية، وبل وحتى في نطاق المجتمعات الغربية، التي عملت على حماية كيانها الأسري، فاستحدثت عددًا من الإجراءات التنظيمية لعرض مثل هذه البرامج، وعملت على حمايتها قانونيا باستصدارها لبعض التشريعات، التي تجرم كل مؤسسة إعلامية، وتعطي الحق لكل رب أسرة على مقاضاتها قانونيا، في حال إخلال تلك المؤسسة بلوائح وأخلاقيات العمل المهني، ولهذا كان لزامًا على مختلف تلك القنوات الإعلامية الابتعاد عن عرض أي برنامج يخدش الحياء في أوقات الذروة عند الأطفال وصغار السن، وحصر تلك البرامج في الساعات المسائية المتأخرة، مع حرصها الدائم على التنويه بالعمر المفترض لمشاهدة مختلف البرامج بصورة دائمة. بتلك التدابير وبغيرها، عمل المجتمع الغربي على المحافظة على بناء كيانه الأسري من أخطبوط الإعلام الكاسح، وفرضوا عليه - وهم المتحررون مقارنة بنا - قواعد قانونية منظمة لآليات عمل البث الفضائي، تعمل على الحد من انتهاك أوقاتهم وقيمهم.

أتصور أنه قد آن الأوان لأن نعمل (نحن وجميع من يشاركنا هذا الهم) على إيجاد آلية قانونية، تعمل على التخفيف من حدة ما نعيشه صباح مساء من انتهاك فاضح لقيمنا وأخلاقنا! وأتصور أننا قد أصبحنا بحاجة إلى محاكمة تلك القنوات بتهمة هتك العورة، والعمل الفاضح في الساحات والشوارع العامة!
والسؤال الأهم الذي تجب الإجابة عليه هو: من سينقذ أبناءنا وبناتنا، مجتمعنا، كياننا الأخلاقي والقيمي، من هذا العبث الإعلامي الفاضح، في ظل ما نعيشه من فراغ مؤسسي يعمل على الحد من ذلك؟!

 

كاتب- المدينة المنورة
..:: من نحن ::.. | المعارف الإسلامية | اللغة والأدب والفن | مقالات فجر | ذاكرة فجر | تغطيات فجر | لقاءات وتقارير | فجر الجمعة | فجر الأخبار | إصدارات | منتديات فجر الثقافية | مكتبة فجر | صوتيات ومرئيات | معرض الصور | سؤال و إجابة | استبانات فجر | مجلة فجر | مواقع صديقة | اتصل بنا | بحث متقدم