والإنتصار الكبير
الإنتصار الكبير بالفعل حينما انتصر في كربلاء على جميع ألوان الظلم والخداع والمكر والسوء والترهيب لحساب قيم الحق والنور والعدل والمثالية والكمال الإنساني. إن كل معاني الخداع والظلم لبني الإنسان وسلب كرامته وحريته سوف تندك تحت أعتاب الثورة الحسينية وأمام يقظة الشعوب لتشرق شمس الحرية والكرامة والعزّة البشرية وتتحقق العبودية المطلقة لله عز وجل على الأرض, إن الله على كلّ شيءٍ قدير.
الفتح والنصر الإلهي الموعود, فهي تدفع البشرية في اتجاه تحقيق الفتح وانتصار القيم وتأسيس النظام العالمي الذي يقوم على المبادئ والقيم السماوية. إن يقظة الشعوب وشعورها بالعزّة والكرامة وإرادة الحرية هي القوة الحقيقية التي سوف تصنع النظام العالمي الجديد الذي تسود فيه مبادئ العدل والمساواة وفرص التكامل الإنساني.
إن زمن الغطرسة والإستكبار والخداع والتلاعب بمصير الأفراد ينهار ويندكّ عند عتبات النهضة الحسينية وما ألهمته من يقظة في الضمير الإنساني ولدى شعوب العالم والتي ما فتئت في نشر قيم الحرية والعدل والتوحيد.
إن الذي يرى المواكب الحسينية لا يرى سوى أمواجاً من السحر والجنون والعشق اللامحدود في شخصية الإمام الحسين
وقضيته وهي بسط العدل الإلهي في جميع أرجاء المعمورة وهو ما يرجوه جميع البشر.
يعزّز قيم الكتاب
. إن كثير من الشخصيات تبلى وتندثر مع مرور الزمن, ولا يزداد الإمام الحسين إلا تجدداً وظهوراً ورونقاً ونوراً.
لقد استطاع الإمام الحسين
أن يدفع حتى الأطفال والرضّع وصغار السن, وكذلك الشباب وكبار السن والكهول والنساء بل وجميع الفئات العمرية, ومختلف أطياف البشر مع اختلاف لغاتهم وطوائفهم, فاستطاع أن يدفعهم نحو حب قيم الخير والتمسك بها والدفاع عنها.
لقد صنع الإمام الحسين
ما لم يصنعه كثير من الأنبياء والرسل, باستثناء جده المصطفى, وهما بعضهما من بعض. لقد كانت رسالة الإمام الحسين
أقوى رسالة ورحمة للبشرية بأن أيقض الضمير الإنساني ودفع البشرية نحو القيم الحقة وجعلهم ينتصروا لها ويحققوها على أرض الواقع. ولم تحدد ثورة الإمام الحسين
بدين أو مذهب أو قومية معيّنة, بل كانت لكل بني الإنسان. فكان الإمام الحسين
من خيرة أنصار الرسول الأعظم
في تثبيت رسالة الإسلام والحفاظ على بقائها وحيويتها.
الحسين طريق المغفرة (وَالْفَجْرِ, وَلَيَالٍ عَشْرٍ)
إن الإنسان لابد وأن يحمل في قلبه مبادئ الحياة الأساسية والتي تقوم على الحمد لله عز وجل وتنطلق به من خلال مراقبة الذات إلى أوج التكامل الإنساني, ولعلنا نذكر هذه المبادئ في ما بعد. ولابد أن تكون جميع حركات وسكنات الإنسان بل حتى أفكاره الذهنية وعزائم قلبه في سبيل الحق وما يتوافق مع الكمال الإنساني.
ولذلك فإن كل العزائم القلبية الغير حسنة والأعمال السيئة والتي لا تتوافق مع هذه المبادئ والقيم التي تقوم عليها سوف تنحرف بالإنسان عن طريق الكمال, وسوف تتحقق هذه الأعمال على أرض الواقع كواقع سيء يحيط بالإنسان, يعاقب عليه في الدنيا, وينال جزائه في الآخرة, إلا أن يعمل على تكفير هذه الأعمال السيئة والذنوب.
إن الأعمال الحسنة والتي تنطلق من الدفاع عن القيم الإنسانية الصحيحة هي التي تصحح ما فسد من ضمير الإنسان وتحركه في سبيل تغيير واقعه السيئ وتنطلق به نحو الكمال الإنساني. إن خدمة الإمام الحسين
وإقامة مواكب العزاء عليه من خير الأعمال التي توقظ وتجذّر المبادئ والقيم الصحيحة في قلوب الشباب وتخلع كل الأفكار السلبية من أذهانهم, وتجعل منهم أحراراً وصالحين, وأنصاراً للدين, وتوفّر لهم فرص التغيير والصلاح لينطلقوا في سبيل الكمال الإنساني فينالوا خير الدارين, إن الله لطيفٌ خبير.
فالحسين عليه السلام يكفر الذنوب العظام عن طريق تغيير أسلوب التفكير وتوجهات الإنسان من السوء إلى الخير والإحسان, إن الله هو الغفور الودود. فيتغير قلب الإنسان من الخداع والمكر والسوء, إلى الإيمان بقيم الحق والصلاح الإنساني, وعندما تتغير قيم الإنسان التي انعقد عليها قلبه, فإن أخلاقه سوف تتغير لا محالة. وإذا ما استبدلت الأخلاق السيئة بأخرى حسنة, فإن جميع أفعال الإنسان وتصرفاته سوف تتغير وتصبح أعمال صالحة وفي سبيل الخير. وإذا ما تصححت أفعال الإنسان فإنه حتماً ولزوماً أن تتغير الإنجازات التي يحققها على أرض الواقع, وبالتالي فإنه يتغير واقعه من واقع سيء إلى واقع ملئه الصلاح والإحسان.
فعندما يتحرر القلب من قيم السوء فإنّ الله عز وجل يغفر كلّ ما سبق من الأعمال السيئة لأنها انطلقت من قيم السوء في القلب, والتي لم يعد لها وجود, فالله هو الذي يغفر الذنوب كلّها جميعاً, والله خير الغافرين. و(كلّ ابن أدم خطاءون, وخير الخطاءون التوابون). فالملاك في سعادة الإنسان وشقائه هو قلبه, فإن أتى الله بقلب سليم غفر الله له ما تقدم من ذنب وما تأخر, وما ذلك على الله بعزيز, إن الله هو الودود الغفور.
إن الإمام الحسين
هو خير صانع ومصحح للضمير الإنساني, وهو الذي يستبدل كل قيم الظلم والخداع والغش والإنتهازية واستعباد الناس وسلب حقوقهم من ضمير الفرد, ويستبدلها بأخرى قيم حسنة وصالحة تقوم على الإنصاف والعدل والنصيحة والإيثار.
إن الإنجازات الصحيحة لا يمكن أن تتحقق إلا بعد إصلاح القيم في قلب الإنسان, والتي تصحح أخلاقه وأعماله, والتي بالتالي تصنع إنجازاته الكبرى. وعندما تتكامل هذه الإنجازات الصحيحة فإنها تصنع الرسالة الحقيقية للإنسان والتي تصبغ حياته الدنيوية والآخروية. فإن صلحت المبادئ والقيم في قلب الإنسان صلُحت حياته وآخرته. وإن فسدت قيمه, فسدت دنياه وآخرته.
عندما تتكامل أعمال الأفراد الصالحين وتتكامل رسائلهم في الحياة في سبيل إقامة الحق فإنهم يصنعون البوتقة الضرورية لإقامة دين الله في الأرض ويصبحوا خيرة أنصار للرسول الأعظم, ولو في آخر الزمان, إن الله قريبٌ مجيب.
مصداق العشق الإلهيإن العاشق يهدي المحبوب ويتقرب إليه بأغلى ما يملك, والإمام الحسين أنفق في سبيل الله وتثبيت قيم الكتاب كل ما يملك. لقد أنفق الإمام الحسين
الوطن فهاجر في سبيل المحبوب. وأنفق الأموال في الهجرة الى المحبوب. وكذلك أنفق الجاه حيث قوبل خروجه بالرفض الإجتماعي حتى من بعض الشخصيات الإسلامية الكبرى في عهده.
وأنفق الأصحاب فتساقطوا أمامه في سبيل المعشوق. وأنفق الإمام الحسين
الإخوان والأولاد فذبحوا أمام ناظريه, وكذلك أنفق ضروريات الحياة كالماء والغذاء فمات عطشاناً. وبذل رضيعه وفلذة كبده فذبح منحره على دكّة العشق الإلهي, وحرقت خيامه, وسبيت أسرته الشريفة.
لذلك فإن مجرد حب الحسين عليه السلام سوف يغير مبدأ الحركة من قلب الإنسان, فتجعل الإنسان يبغض الأعمال السيئة والظلم والعدوان ويبتعد عنها. وبالعكس فإن حب الحسين يجعله يحب كل أعمال الخير والأفعال الحسنة. وما حب الحسين إلا من حب أبيه أمير المؤمنين علي
. وما يبغض الإمام الحسين عليه السلام إلا من يبغض أبيه الذي يمثل القرآن الناطق وهو باب حكمة رب العالمين والذي هو ميزان الأعمال.
لقد كان أمير المؤمنين
هو ميزان الأعمال حيث قال الرسول الأعظم
: (لا يحبك يا علي إلا مؤمن, ولا يبغضك إلا منافق). فحب أمير المؤمنين هو حب لجميع القيم الحسنة وقيم العدل والإنصاف,والتي ما فتئ يلفظها في أفعاله وحكمة كلامه. وبغض أمير المؤمنين هو بغض هذه القيم الحسنة وميل إلى قيم الظلم والضلال التي كان ينهى أمير المؤمنين عنها بقوله وعمله. فلذلك كن حبه وبغضه ميزان الأعمال ومفتاح حركة الإنسان إما نحو الخير والصلاح فالجنة, وإما نحو السوء ومكر السيئات والظلم فالنار والعياذ بالله. ولذلك كان أمير المؤمنين هو باب حطّة من دخله كان من الآمنين.
أوسع أبواب الجنّة
وخروجه في وجه الظلم والطغيان فإنه سوف يحشر مع الإمام الحسين
ويشرك في عمل أصحابه وأنصاره ولذلك قال
: (من أحب قوماً حشر معهم), وقال (من أحب عمل قومٍ أشرك في عملهم). وإن الناس يحشرون ويحاسبون على ما عقدت عليه قلوبهم وأنفسهم, فقد قال المولى عز وجلّ: (وإذا النفوس زوّجت) فيوم المحشر يوزع الناس ويقسمون مع أمثالهم في النفوس وما عقدت عليه قلوبهم من قيم, إن الله سريعُ الحساب.
ولذلك كانت بوابة الإمام الحسين
الى الجنّة هي أوسع الأبواب, لأن ملايين من البشر تهوي إليه وتحبه وتقيم عزائه, وكيف لا يدخل الجنّة من كان الحسين
شفيعه. وبذلك يكون الإمام الحسين
قد أنقذ الملايين من البشر واستبدل القيم الفاسدة في ضمائرهم بأخرى حسنة تغيّر مجرى حياتهم نحو الحق والخير, وكان هو قائدهم وشفيعهم يوم المحشر.
وإن كلّ من يبغض الإمام الحسين
ويُنكر خروجه على يزيد ويؤذي زوار الإمام الحسين بقولٍ أو عمل, فإنّه سوف يحشر مع قتلة الإمام الحسين
وإنه بعمله هذا يكون من سواد الجيش الأموي الذي أظلم على الإمام الحسين
أفق كربلاء. بل إنّه سوف يحشر مع قتلت الأنبياء الذين يطمسون آثارهم وقيمهم. فهو يشابه بذلك أعمال ظلمة بني إسرائيل, ولله الحجّةُ البالغة. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾
فالسلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين, وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾